محمد هادي معرفة
422
شبهات وردود حول القرآن الكريم
في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ . ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . « 1 » حيث يمكن أن نفهم من هذه الآية اتّصاف القصص القرآني بالواقعيّة والصدق والحكمة والتربية الناجحة : أولا - الواقعيّة ، بمعنى ذكر الأحداث والقضايا والصور التي لها علاقة بواقع الحياة الإنسانيّة ومتطلّباتها المعاشة في مسيرة التاريخ الإنساني ، مقابل أن تكون القصّة في القرآن إشارة وتعبيرا عن الصور ، أو الخيالات ، أو الأماني ، أو الرغبات التي يطمح إليها الإنسان ، أو يتمنّاها في حياته . ذلك لأنّ القرآن الكريم يريد من ذكر القصّة وأحداثها ، إعادة النظر في التأريخ الإنساني والقضايا الواقعيّة التي جرّبتها البشرية في حياتها ، والتي عاشتها الأمم والرسالات الإلهيّة السالفة ، والتي تبيّنت محاسنها عن مساوئها ، وليؤخذ منها الاعتبار في الحاضر المعاش ، فلا يجرّب ما جرّبته الآباء وحلّت بهم الندامة من قبل . أمّا إذا انفصلت القصّة عن هذا الواقع ، وكانت مجرّد تسلية وسرد أحداث التاريخ الماضي ومن غير نظر الاعتبار بها ، فهذا أشبه بكتب الأساطير منها بكتب التربية والأخلاق . والإنسان في مسيرته التكامليّة ، بحاجة إلى أن ينطلق مع الواقع نحو الطموحات والكمالات ، وبدون ذلك ( بلا درس واقعه في الماضي والحال ) سوف ينفصل هذا الإنسان عن واقعه الراهن ، فيضيع في متاهات الآمال والتمنّيات ، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة في الإنسان عندما تحدّث عن اليهود : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ . « 2 » وعندئذ ( عندما خاض الإنسان في أمانيه من غير ملاحظة واقعه ) لا يصل الإنسان إلى أهدافه وآماله العليا . لأنّ من لا ينطلق في اتجاه المسير من البداية فلا يبلغ النهاية .
--> ( 1 ) يوسف 12 : 111 . ( 2 ) البقرة 2 : 78 .